منتدى فتيات | زواج اسلامي | العاب فلاش | فتيات | العاب فلاش للبنات | زواج | العاب | منتدى

موقع زواج | موقع تعارف

مدوّنات تدوينه: منبر حرية الفكر والكتابة ... مدونات بلا حدود | تدوينه ومدونات

مدونه

ورقات في التاريخ الثقافي والعلمي ببلاد الشاوية بالمغرب عبر العصور (القسم الثاني)

11:13, 2008-May-13 .. التعليقات 1 .. رابط

 

 

 

         (تـــابع)

8) الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الزيادي الشاوي:

ولد عام(943هجرية/ 1537م) ترجم له صاحب(البذور الضاوية في تراجم الفقهاء الأجلة قضاة الدار البيضاء والشاوية) بقوله:"..فقيه جليل من قبيلة الزيايدة بأحواز الشاوية، اشتغل في سلك القضاء بها زمن الأشراف السعديين.. كان ضليعا في الفقه والأصلين، له دراية لا تجارى في تحليل المسائل والنوازل..توفي على الأرجح في أوائل القرن (11 الهجري).." ترجم له كذلك صاحب (درة الحجال..)بقوله،"..أخذ عن أبي العباس أحمد بن علي المنجور وأبي راشد يعقوب بن يحيى البدري وغيرهما.."،وذكره أيضا صاحب(الموسوعة المغربية..).

 

9) الفقيه أبو زيد عبد الرحمان بن أحمد بن عبد الله الغنامي الشاوي:

لا نعرف شيئا عن سنة ميلاده، لكننا نعرف أنه استقضى بتامسنا حوالي(1065هجرية/1655م) وأنه توفي في أواخر القرن 17م، ذكره الناصري في(الاستقصا..)، و تعرض له الدكتور إبراهيم حركات في تاريخه. كما ترجم له بإسهاب صاحب (البذور الضاوية..)، ومما قاله:'..ينتسب إلى أولاد غنام ـ بعين مفتوحة ونون مشددة ـ  فرقة من قبيلة المزامزة.. عرف باسم (سيدي رحو)، تولى خطة القضاء ببلاد تامسنا في عهد السلطان محمد الشيخ ابن زيدان السعدي، وهو من كبار فقهاء الشاوية في ذلك الوقت، كانت له مشاركة في التفسير والمنطق.. ترك عدة رسائل وشروح وفتاوي كانت متداولة بكثرة ما بين الفقهاء والطلبة في عصره ومنها رسالة في تحريم الدخان..'.

 

 

10) الفقيه سالم بن أحمد الشريف الشــاوي:

توفي عام(1108هجرية/1696م) بمكناس، يظهر أنه من علماء الشاوية الذين هاجروا إلى هذه المدينة خلال حكم السلطان المولى إسماعيل الذي حظي بعنايته، واشتهر في ميدان القراءات مثل عدد كبير من مواطني قبيلته الذين اتخذوا نفس الوجهة، وأبدوا عن تضلعهم في هذا الباب. انفرد بذكره الضعيف الرباطي الذي كان له خوض كثير في أخبار الشاوية ومعرفة برجالاتها المغمورين، ومما قاله:"..له شرح على المرشد المعين لابن عاشر، أشاد فيه وأحسن وأفاد وأثقن، وكانت له يد في الفقه والأدب.."

 

11) الفقيه عبد الرحمان بن أبي القاسم المزمزي الشاوي

لا تسعفنا المصادر بتاريخ مضبوط عن سنوات ولادته أو وفاته أو أماكنها، لكننا نعرف أنه حج عام(1141هجرية)، وقد كشف الأستاذ المرحوم سيدي محمد المنوني في مصادره عن مخطوطة رحلته الحجازية الموجودة في نسخة يتيمة بالخزانة الحسنية بالرباط اسمها(رحلة القاصدين ورغبة الزائرين)، وقال أنها من مصادر اليفرني في (نزهة الحادي..)و(صفوة من انتشر..)

 12) الشيخ أبو البقاء يعيش بن الرغاي الكداني الشاوي :

توفي قتيلا بفاس عام (1150هجرية/ 1737م)، عرف به صاحب (الروضة المقصودة..) بقوله: "..الرغاي بالعين المعجمة وآخره ياء ساكنة الفاسي قرارا الشاوي قبيلا  الجراري منزلا ومولدا ..ورد على فاس في شبابه وأدرك بها الشيخ الإمام محمد بن أحمد القسمطيني، واتصل بكبار علماء فاس ومنهم الفقهاء عبد الله بن أحمد بردلة ومحمد بن أحمد المسناوي والحسن بن رحال المعداني.." وقد صحح الأستاذ المرحوم المنوني خطأ ما ذهب إليه سليمان الحوات عندما يضيف إلى اسمه لقب الجراري أو الكراري، ويجعلها الكداني نسبة إلى فرقة (كدانة) القاطنة بأحواز سطات .

ذكره صاحب (الإعلام..) من جملة شيوخ الفقيه محمد التاودي بن سودة صاحب (الأجوبة التاودية) و(الفهرسة الكبرى)، درس عليه التحفة والبخاري ، له عدة تآليف أشهرها (الكواكب السيارة في مسايرة فقيه فاس أبي عبد الله ميارة)، ترجم له كذلك صاحب (البذور الضاوية..) ضمن القضاة الشاويين الذين مارسوا مهامهم خارج بلادهم، وتكلم بإسهاب عن أخلاقه واستقامته ، وذكر أيضا أنه استقضى بتازة ثم بفاس الإدريسية، وخلالها قتل من طرف اللصوص في حادثة مدبرة، وقد أورد القادري تفاصيل هذه الحادثة، كما ترجم له أبو القاسم الزاياني ضمن تقييده عن قضاة فاس

 

13) الفقيه أبو القاسم بن علي الدرقاوي الشاوي الملقب (ابن درى) :

توفي عام( 1150 هجرية/ 1738م) ترجم له صاحب (الإتحاف..) بقوله:"..مكناسي الدار، كان مولى للسلطان المولى إسماعيل، علامة جليل، وأستاذ مقرئ عارف كبير، نقاد حافظ لافظ، له معرفة رائدة بعلوم القراءات السبع، درس على يد الشيخ محمد بن عبد الرحمان البصري، شيخ الإقراء في زمان بفاس، وقال عنه في إحدى إجازات له : وهو الطالب النجيب، والحافظ المتقن المجود الأريب، الضارب في فن القراءة بسهم نافذ مصيب.."، أخذ كذلك عن الشيخ أبي العلاء إدريس المنجرة الفاسي، والشيخ الحافظ سيدي أحمد بن امبارك الفيلالي وغيرهم.

عدد الدكتور عبد الله المرابط الترغي فضائله، إذ وضعه في نفس المكانة العلمية مع شيخه البصري بقوله:"..اشتهرت مكناس بعلوم القراءات، فبرز في ذلك ابن دري الشاوي ومحمد بن عبد الرحمان البصري..وقد أجادا هذا الفن وأتقناه، وحصلا على إجازات أشياخهما من مشاهير القراء على عصرهما في فاس وغيرها.."

له عدة مؤلفات أشهرها شرحه على منظومة الجعبري سماه (حفظ الأماني..) وله أيضا تقييد على ابن بري التازي، ولعل أهم تآليفه هو كتابه(تنبيه  السالك إلى جني ثمار دالية ابن امبارك)، ترجم له كذلك صاحب (أعلام المغرب العربي).

14) الفقيه محمد بن عبد الرحمان بن أمحمد الفاسي المعزاوي الشاوي:

توفي عام( 1169هجرية/1757م) ويظهر أنه كان من ضحايا الزلزال الهائل الذي ضرب جل المدن المغربية وخاصة مكناس وفاس، ويعرف في أوروبا بزلزال لشبونة، ترجم له صاحب (الإتحاف..) بقوله: "..وهو شاوي معزاوي من أولاد عمارة (أحد سيدي يشو) .. مات تحت الردم بالزلزلة بفاس .." كما ذكر عددا من شيوخه وأورد نصوصا لإجازاتهم له. وقال عنه الدكتور عبد الله المرابط الترغي:"..بأنه من أشهر رجالات أسرة المعزاوي الشاوية في هذا العلم، إذ فاز بإجازات مختلف علماء عصره.. جمع مع التوقيت الاشتغال  بالأدب واثقان كتابة الإنشاء والترسل.."

ينتمي لهذه  الأسرة كذلك علماء آخرون اشتهروا بدورهم في ميادين التوقيت وعلم الفلك بالخصوص بالحضرة المكناسية، ومنهم والده الفقيه عبد الرحمان بن محمد الفاسي، وابنه الفقيه عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمان الفاسي الشاوي.

15) الفقيه أبو عبد الله محمد بن إسحاق الحداوي الشاوي:

من علماء الشاوية خلال القرن(12الهجري)، كان حيا عام(1199)، أطلعني الأخ المرحوم مصطفى ناجي أحد الباحثين في تاريخ وتراث الشاوية بالرباط، على تقييد مدون بتاريخ(صفر عام 1272هجرية) استخلصت منه أن الفقيه الحداوي المذكور ينتسب إلى فرقة أولاد حدو القاطنة بأحواز الدار البيضاء، وأن له تأليفا في الكيمياء يحمل اسم (كشف الأشكال وإيضاح الأسرار)، كما أطلعني على مخطوطة لأرجوزة باللسان الدارج في وصف الخيل وكيفية ركوبها وصناعة البارود، وهي لناظم يحمل اسم(محمد الحداوي) ولا نعرف مدى انطباق الاسمين على شخص واحد.

 

16) الفقيه محمد بن محمد  المزوري الشاوي.

توفي عام(……………..)

من فقهاء الشاوية خلال القرن الماضي الذين اشتهروا بمدينة مراكش ترجم له صاحب (الإعلام..) بقوله: "..اشتغل قاضيا بمراكش في أواخر عهد المولى سليمان وأوائل عهد المولى عبد الرحمان، وهو الذي أثبت حوالة الأحباس الكبرى لما جددت، ومنها رسم مؤرخ في فاتح شعبان عام 1237هجرية" ذكره صاحب (البذور الضاوية..) من جملة فقهاء الشاوية الذين تصدوا لخطة القضاء خارجها، ودقق ما جاء به صاحب الإعلام في صدد نسبه المزوري في قوله"..وتوجد قرية (أحد مزورة ) بقبيلة أولاد سعيد بأحواز سطات"، كما أورد معلومات قيمة عن بعض الزوايا والمدارس التي اشتهرت بموطنه والتي يكون قد تلقى بها تعليمه الأولي، وذكر عددا من أعلامها ، فضلا عن أماكن إلقاء دروسه وموادها وأسماء بعض العدول الذين اشتغلوا تحت إمرته.

         17) الفقيه القاضي العربي بن المقدم المنيعي  المزابي الشاوي:     

توفي عام (1317هجرية/1900م)، عرف به الأستاذ محمد المنوني في مداخلته بندوة سطات (الملتقى الأول)، كما ترجم له عدد من المؤرخين وأصحاب التراجم كابن زيدان والعباس بن إبراهيم التعارجي ومحمد غريط وابن داني وذكره أيضا القاضي العربي العزوزي في ( نشر المحاسن والناشر..) . ترجم له صاحب (البذور الضاوية..) ضمن القضاة الشاويين الذين مارسوا مهامهم خارج بلادهم. وذكر إفادات كثيرة عن حياته في سلك المخزن كما أورد لائحة أسماء شيوخه وعددا ممن أخذوا عنه .

18) الفقيه أبو الشتاء بن عبد الله الكداني السطاتي الشاوي: 

            توفي عام(1309هجرية/1892م)، وحج عام(1289/1872). يقول عنه صاحب (البذور الضاوية..): "..وهو من كبار علماء الشاوية وقضاتها، تصدى لخطة القضاء بمدينة سطات في عهد السلطان مولاي الحسن..كان خلال مدة دراسته بالزاوية الغازية بمدينة فضالة، من أنجب تلامذة شيخها الفقيه عبد الله بن علال الفضالي ومن أقربهم إلى نفسه .. كما أجازه شيخه السيد بن دحو الزموري.."

         ذكر الاستاذ المنوني أنه أخذ عن مجموعة من كبار العلماء في عصره، ومنهم الشيخ محمد صالح بن التهامي بن المير الشرقاوي دفين سطات عام(1279/1861م) ، وعالم أزمور الشيخ محمد بن أحمد بن دحو (ت 1284م)والشيخ العربي بن السايح والشيخ عبد الله الفضالي، درس على الأول في مسجد سيدي الغليمي ألفية العراقي في الاصطلاح كما سمع منه صحيح البخاري عدة مرات والشفا للقاضي عياض مرتين والموطأ مرة واحدة. ودرس على الأخير في المدرسة الغازية بفضالة(المحمدية).

         تصدى للتدريس بنفس المسجد وخاصة في مواد التفسير والحديث مستحضرا ألفية العراقي، وممن أخذ عنه الشيخ محمد البجاج بن علي المزمزي البجاجي، له كناشة مفيدة أخذ عنها العبدي الكانوني، وأوردها ابن سودة في دليله .

         19) الفقيه سي الهاشمي الزياني الشاوي المدعو(الضرير):

         توفي عام(..)

         اشتهر بمجالسه العلمية في مدارس ومساجد مدينة الرباط في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، جاء في إحدى كناشات العبدي الكانوني "..إن الفقيه محمد بن علي الدكالي السلاوي ذكر الفقيه سي الهاشمي الزياني في سياق ترجمته لشيخه البطاوري قائلا: إنه ـ أي الشيخ البطاوري ـ أخذ عن الفقيه الهاشمي الزياني علم القراءات وغيرها، وأنه كان مفتوحا على يديه الفتح الكبير إجازة وسماعا.."

         20) الفقيه أحمد بن محمد بن الجيلالي الركراكي الشاوي، الملقب (سيبوبه) .

         توفي عام(1315 هجرية/..)، ترجم له صاحب (الياقوتة الوهاجة في مفاخر ركراكة) الشيخ محمد المسقالي بقوله: "..وهو من أولاد بن الشاوي حفدة سيدي إبراهيم الشاوي ، كان فقيها جليلا له معرفة لا تدرك بالعربية حتى لقب سيبوبه.." وقال عنه صاحب (السيف المسلول..) "..وهو من أشياخ شيخنا السيد عبد الله الكراتي، كما أخذ عن السيد التونسي، رحل لفاس وأخذ عن مشايخها.."

         21)الفقيه المفضل بن ج. أمحمد بن العربي بن الغماري المنياري الحريزي الشاوي:

         توفي عام(……….)،تكلم عنه الفقيه المنوني وذكر مكانته العلمية ضمن علماء زاوية النواصر ـ قرب مدينة برشيد ـ وهو فقيه جليل يعد زهرة علماء هذه المعلمة العلمية الشاوية،أورد العبدي الكانوني في كناشته ما يفيد أنه كان يساهم في تنشيط الحركة العلمية بالدار البيضاء خلال تواجده بها، ومنه :"..الفقيه المدرس المفتي السيد المفضل الحريزي من بني منيار، رحل إلى فاس عام 1322(عام الغبرا،ويقال له عام السميد)، فقرأ فيها على يد جماعة من الفقهاء مثل سيدي أمحمد القادري وسيدي المهدي الوزاني وسيدي أحمد الخياط وغيرهم، ورجع عام 1325، تولى خطة القضاء بقبيلة الزيايدة بالشاوية، وهو الآن عدل بالدار البيضاء ويدرس بها.

         ترجم له كذلك صاحب (البذور الضاوية) من جملة قضاة قبيلة الزيايدة وأورد نماذج من أحكامه بها، كما أورد نماذج من عقوده حينما انتقل لممارسة العدالة بالبيضاء وكان قد أعفي من القضاء لأسباب لم يذكرها وذكر على لسان بعض تلامذة زاوية النواصر القدامى أنه كان لا يكتب عقوده عن حفظ كما هو الشأن بالنسبة لكثير من العدول، بل كان يؤلف فيها تأليفا ويطلق العنان لعربيته الفصحى ودرايته العالية بعلم التوثيق.

         له عدة تآليف في صفة أهل التوثيق وشروطه ومنها:(رسالة التحقيق في وصف أهل التوثيق) وهو مطبوع على الحجر بفاس، وله أيضا (نيل الوصال بأحسن الخصال) وسماه أيضا(مواهب الرحمان بخصال الغفران)، وقد أتمه عام 1344 بمكة أيام حجه.

 

         22) الفقيه أبي شعيب بن محمد بن الرامي البهلولي المزابي الشاوي.

         توفي يوم(23صفر عام 1349/1930)، من كبار علماء أمزاب خلال الثلث الأول من هذا  القرن، أورد عنه الفقيه سيدي محمد المنوني عدة إفادات منها أنه درس بالشاوية ودكالة.. وانتقل بعد الاحتلال للسكن بمراكش والتدريس والإفتاء بها، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمان النتيفي قاضي الحضرة بمراكش. كما أورد الأستاذ الباحث المختار غازي إفادات أخرى على لسان ابن المترجم له الاستاذ المرحوم محمد أديب، منها".. أنه ولد بفرقة البهالة ـ بأمزاب ـ عام 1280، وتعلم أولا على يد أخيه الفقيه مولاي الطاهرالبهلولي، ثم توجه إلى فاس وتتلمذ على الشيخ مولاي الكبير الكتاني .. درس لفترة من الوقت بمدينة سطات ثم انتقل إلى مراكش ليصبح أحد علمائها الأفذاذ.." .

ذكره صاحب(البذور الضاوية..) في ملاحق كتابه كواحد من علماء الشاوية والمغرب لهذا القرن الذين يجهلهم مثقفوها، وأورد جردا مفصلا للعلوم التي كان حجة فيها وذيلها بلائحة طويلة للطلبة الذين تخرجوا على يديه حتى صاروا من كبار علماء البلاد وقضاتها  ، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الفقيه الجليل المختار السوسي والفقيه الرحالي الفاروق السرغيني المراكشي أول رئيس لكلية اللغة بمراكش والفقيه محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرازق المراكشي أحد أساتذتها الأوائل والعلامة سيدي خليل بن محمد بن الطاهر الورزازي أول مدير لدار الحديث الحسنية والفقيه علي بن محمد بن عبد الرحمان السباعي ومن القضاة الفقيه أحمد النتيفي قاضي سطات والفقيه أحمد بن محمد المنصور  أول قاضي بمدينة أبزو وغيرهم. وقدم تحليلا موجزا لواحد من أشهر تآليفه وهو (الكواكب النيرات في شرح نظم العمريطي للورقات)..

23)الفقيه الحاج محمد بن أحمد المدعو (ابن الفقيه) الزرهوني المذكوري الشاوي:

توفي بالرباط ودفن بمكناس (عام1383/1963)، ترجم له صاحب (إسعاف الإخوان..) بقوله:"..أصله من الشاوية من المذاكرة من أولاد علي، هاجر جده سيدي محمد بن عبد الله إلى زرهون مدشر بني جناد، وتناسلت ذريته ويعرفون بأولاد ابن الفقيه، واستقر والده بمكناس."

وقد وقف موقفا مشرفا من قضية ماء (أبي فكران) عام 1356، وأحبط مناورات المراقب الفرنسي، أفتي بعدم تغسيل وتكفين شهداء هذه الثورة..قام بإنشاء عريضة يفتي فيها بأن الملك الشرعي للبلاد هو محمد بن يوسف (بعد نفيه) وطالب بإعادته إلى عرشه وكان أول الممضين عليها من بين علماء مكناس.

 

 

                           الهوامش والإحــالات :

 

1) الحسن الوزان (وصف أفريقيا)، الجزء الأول، ترجمة د.محمد حجي ود.محمد الأخضر.ص:154.

2) الإدريسي (نزهة المشتاق..)،الجزء الأول، ص:238.

3) الناصري (الإستقصا..)،الجزء الثالث، دار الكتاب.1954، ص:50.

4)

5) العباس بن إبراهيم المراكشي (الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام) ..الجزء السادس، ص: 76.

6) أحمد بن محمد بن القاضي ( درة الحجال..) تحقيق د. محمد الأحمدي أبو النور، الجزء الأول،ص: 95.

7) محمد المنوني( أنفا في العهد المريني)أعمال ندوة " المدينة في تاريخ المغرب العربي" نونبر 1988، منشورات كلية آداب ابن أمسيك بالدار البيضاء، ص:253.

8) توجد هذه الفهرسة مخطوطة في الخزانة العامة بالرباط، رقمها: (ك.1242/2) السفر الأول.

9) د.محمد مفتاح (التعريف ببعض رجالات الشاوية)، مداخلته بالملتقى الثاني(تاريخ وفنون الشاوية)بسطات، منشورات وزارة الثقافة.1989.ص:16.

10) لسان الدين ابن الخطيب( نفاظة الجراب..) الجزء الثاني، تحقيق د. المختار العبادي،ص:

11) أنظر أيضا (عبير الزهور في تاريخ الدار البيضاء..) للفقيه القاضي ج.هاشم المعروفي، الجزء الأول، ص:77.

12) د.محمد حجي( الحركة الفكرية في عهد السعديين) الجزء الثاني، مطبعة فضالة، 1976،ص:480.

13) محمد المهدي الفاسي(ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع)، تحقيق ذ.عبد الحي العمراوي  و ذ.عبد الكريم مراد، مطبعة الأمنية.الدار البيضاء، 1993.ص:97.

14) عبد العزيز الفشتالي( مناهل الصفا..) تحقيق د.عبد الكريم كريم. طبعة وزارة الأوقاف.1974.ص: 219.

15) نفسه.ص:229.

16) اليفرني (نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي) تحقيق د. عبد اللطيف الشاذلي. مطبعة دار المعارف .الرباط. 1994.ص. ص:179،202،204،205.

17) أحمد بن محمد بن أحمد التلمساني المقري(روضة الآس،العاطرة الأنفاس..)تحقيق …مطبعة …بالرباط.1964. ص. ص: 226و239.

18) فهرسة عبد القادر بن محمد الفاسي.مخطوط بالخزانة العامة .    .ص:142.

19) د.محمد مفتاح.المرجع نفسه بالهامش رقم 9، ص:16.

20) كتاب مرقون في موضوع التراجم للفقيه العدل مولاي أحمد غازي الحجاجي بابن أحمد، يتضمن إفادات كثيرة ومتنوعة عن حوالي 200 قاضي تصدوا لهذه الخطة في مختلف مدن وبوادي الشاوية عبر العصور، يعتزم نشره قريبا.

21) درة الحجال..ج.1.ص:202.

22) البدور الضاوية.. للفقيه الحجاجي، رقم الترجمة:20.

23)

24) محمد المنوني( المصادر العربية لتاريخ المغرب)

25) سليمان الحوات (الروضة المقصودة..)

26) محمد المنوني. أنظر مداخلته بالملتقى الأول(تاريخ وفنون الشاوية) 1989.ص:7.

27) الإعلام..للعباس بن إبراهيم المراكشي ج:5.ص ص:134 و137.

28) البذور الضاوية .. للفقيه الحجاجي، رقم الترجمة 23.

29) القادري (نشر المثاني..) ج.3. ص:407.

30) أبو القاسم الزاياني (تكميل قضاة فاس..) ص:7

31) عبد الرحمان بن زيدان (الإتحاف..) ج.5. ص:

32) د.عبد الله المرابط الترغي(مراكز الدرس والتكوين على عهد المولى إسماعيل) دعوة الحق عدد328/1997.ص:73 33)منه مخطوطة بالخزانة الحسنية بالرباط رقم 119. وأخرى بخزانة القرويين رقم 1042. وهو شرحان كبير وصغير. 34) عبد الوهاب بنمنصور(أعلام المغرب العربي) ج2. ص:152.

35) الإتحاف .. لابن زيدان. ج5. ص. ص: 88 و89 و96..

36) د. ع. المرابط الترغي  ص: 74.

37) مخطوطة في خزانة خاصة بالدار البيضاء.

38) (الإعلام..) للعباس بن إبراهيم. ج6. ص :

39)

40) (البذور الضاوية..) للفقيه الحجاجي. رقم الترجمة:

41) المنوني( الوجه الثقافي للشاوية عبر العصور) الملتقى الثاني

42) (الإعلام..) للعباس بن إبراهيم. ج2. ص : 257.

43) محمد غريط (فواصل الجمان..) بدون ذكر سنة ومكان الطبع. ص: 194.

44) ابن داني ( الدرة السنية..) مخطوطة بالخزانة الحسنية بالرباط، رقم 481. ص. ص : 136، 138.

45) القاضي العربي بن قاسم العزوزي ( نشر المحاسن والمآثر..) مخطوطة لدى ابن المؤلف بسطات.

46) (البذور الضاوية..) للفقيه الحجاجي، رقم الترجمة:

47) نفسه، رقم الترجمة :

48) محمد المنوني، ملتقى سطات ص. ص: 8و9.

49) و50) وهي كنانيش متعددة ، ذكرها ابن سودة في دليله.ج2. ص. ص: 468 و470.

51) الكناشة رقم2. نسخة في خزانة خاصة بابن أحمد.

52) محمد بن ج. مصطفى بوجندار ( الإغتباط..) تحقيق د. عبد الكريم كريم. مطبعة الرشاد بالرباط.1994.ص: 524.

53) و54)   …….. (السيف المسلول..) نشر المعهد الشعبي للتراث بالصويرة .1993. ص: 182.

55) مذاخلته بندوة سطات ،الملتقى الثاني، ص:11.

56) الكناشة رقم2. بنفس الخزانة أعلاه.

57) (البذور الضاوية..) للفقيه الحجاجي، رقم الترجمة،25.

58) مذاخلته بندوة سطات، الملتقى الثاني، ص: 10.

59) ذ.مختار غازي(…) مذاخلته بندوة سطات، الملتقى الثاني، ص،64.

60) (البذور الضاوية..) للفقيه الحجاجي، الترجمة رقم:

61) الفقيه القاضي محمد البوفارسي العتابي( حياتي..) تــأليف في السيرة الذاتية للمؤلف، توجد في خمسة أجزاء، ولازالت مخطوطة في خزانته الشخصية  بمدينة سطات.

62) أنظر (إسعاف الإخوان..) في تراجمه للعلماء المذكورة أسمائهم.

63) الفقيه العتابي ، أنظر الهامش رقم 61.

 



ورقات في التاريخ الثقافي والعلمي ببلاد الشاوية بالمغرب عبر العصور (القسم الأول)

10:32, 2008-May-13 .. التعليقات 8 .. رابط

ذ

 

 

الأستاذ محمد غازي المزابي

المركز المغربي للدراسات والأبحاث حول الدار البيضاء والشاوية

C.M.E.R.CACH

 

 

                 ورقــات

     في التاريخ  الثقافي 

    والعلمي ببلاد الشــــــاوية

               عبر العصور

 

مدخل:

أتوخى من نشر هذه الورقات المتواضعة، على هذا المنبر المحترم ،المساهمة في استجلاء بعض المضمرات والخفايا المغيبة في ملفات التاريخ الفعلي لمنطقة الشاوية، وإذا كان من الواجب التوقف هنا للإشادة بالمجهودات الكبيرة التي تبذل منذ مدة ليست بالقصيرة في هذا الاتجاه على كافة الأصعدة الأكاديمية(كلية آداب ابن أمسيك بالبيضاء) أو الجمعوية بالإقليم، فإنه من الواجب كذلك التنبيه إلى مدى فداحة العطل والتقصير اللذان ضلا يحولان لمدة طويلة دون الأخذ بناصية ملفاته ومواضيعه المغلقة.

 من هذا الباب، ومع مرور الزمن، تحول البحث والتنقيب في تاريخ هذا الإقليم إلى ما يشبه الخوض في حقول الألغام المانعة لكل حركة أو دوران داخلها، وصارت مثالبه تحبط في المهد أعمال المشتغلين على المواضيع والملفات التي تستغرقه، وخاصة منها ما يتعلق بالتوثيق لمظاهر النشاط الحضاري لساكنته عبر العصور، أو بتجميع المادة التاريخية الدالة عنها مما نجده متناثرا في الموسوعات المصدرية المعروفة ، أو في تقديم الفرضيات والرؤى الجديدة التي تساعد على دراسة وتحليل ما تطرحه من قضايا وإشكالات .

وأمام استحالة الخوض في معارج وثنايا كل هذه الملفات دفعة واحدة، فإن عملية التخصيص والاجتزاء التي تفرض نفسها تقوم في نظري على عدة أسس ومقومات منهجية ينبغي استحضارها في هذا المدخل، حتى تكون أولا منطلقا إجرائيا لاحتواء مضامين هذه الورقات، وحتى تمكننا ثانيا من استنباط مختلف الأسانيد الإبستيمولوجية الكفيلة بتقعيد النتائج والخلاصات المحصلة .

ففيما يتعلق بالمباحث الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تاريخ إقليم الشاوية عبر العصور، نرى أن  إيلاءها المقام الأول في هذه الورقات، يأتي أساسا من كونها صارت تندرج ضمن أولويات البحث الأكاديمي، سواء في توجهه نحو التاريخ الجهوي والمحلي، أو في اعتباره لمقاييس الرؤية المركزة في الزمان والمكان. كما يأتي ثانيا من كونها تعتبر المفتاح الأساس لاستكشاف الحجم الفعلي لإسهامات ساكنة هذا الإقليم في الرصيد الحضاري الإجمالي للبــلاد، وكذا في معاينة مدى تراكز حوافزها وتلاحم وجهات تطورها ضمن هذا السياق. وفي آخر المطاف فليست اللقطات المجهرية التي يمكن استخلاصها من هذه الوقائع عبر نافذة الخصوصية والتفرد إلا نمذجة حية وفعلية عن طبيعة وحجم التحولات المادية والروحية التي يسير على خطاها التاريخ الوطني العام في باب الشمولية والإطلاق.      

أما فيما يخص الجوانب السياسية والعسكرية في هذا التاريخ، فإننا نجد أنفسنا من جهة أولى مطوقين بما درجت المدارس الحديثة على التنفير من الإغراق في هذين البابين، وتحذيرها من انحراف الدراسات ضمنهما اقتصارا، عن معانقة الخلفيات والمضامين الفعلية لتفسير حركية تطور المجتمعات، فضلا عما تفتحه من آفاق أمام تضخيم نماذج الفعل التاريخي ـ الذاتي في التجارب الحضارية الإنسانية، والتهافت على تصيد لقطات الانقياد الجماهيري (الشعبي) للكارزمات الفردية، وكذا تثمينها للحظات العنف والتوتر بالشكل الذي يكرسها كجدلية وحيدة في خانة حوافز التطور والتحول المجتمعيين .

لكننا نبقى من جهة ثانية مرغمين على إيلاءها قدرا وافرا من الاعتبار وذلك بالحجم الذي لا يبخسها حقها في خطة الدراسة، ويعود ذلك أساسا إلى أن الأمر يتعلق بمواضيع وملفات لم يخرج العمل عليها بعد من مراحل التراكمات الارتكازية، ولم تنته عندها قط أشغال التطويع الأولي للرؤى والمباحث الإشكالية. وتظهر حدة هذه المساءل في قضايا التاريخ المعاصر أكثر من غيره نظرا لكون السياقات التي أفرزتها لازالت حية ترزق في رحم الواقع المعاش.        

 

         وقد لا تكتمل الرؤية من دون تخصيص ورقات موازية، لتتبع واستنباط ما يختزنه التراث الثقافي الشعبي لبلاد الشاوية، من مؤشرات ودلالات حضارية "غميسة"، هذا على اعتبار الجانب الدلالي في مضامين ورموز العادات والتقاليد المكونة لهذه الثقافة، يعد مدخلا مثيرا لرصد جوانب منسية في طبيعة الثوابت والمتغيرات التي يختزنها هذا المجتمع، وفهم بداياتها ونهاياتها على المديين القصير والطويل، ويرى البعض أنه صار الميدان الأحفل لإدراك وتأويل أبعادها وأحجامها، حتى كاد ينازع التفسيرات الاقتصادية والمادية، وخاصة عندما ينخرط التفسير الثقافي للعامل المادي ضمن المؤسسة الاجتماعية الشاملة.

         هذه نظرة موجزة عن نوازع ومرامي هذه الورقات، وإن كنت لا أدعي القدرة على تناول كل المباحث التي يطرحها الموضوع، والصبر على إيلاء التاريخ الفعلي لمنطقة الشاوية كل ما يستحق من إحاطة وإلمام، إلا أن بطئ وتيرة الأبحاث الأكاديمية عن تناول ملفاته وقضاياه الشائكة والمعقدة، وتردد الدراسات القطاعية  الصادرة ضمنها لحد الآن، باستثناء القليل منها طبعا، عن تطليق مراحل التمرين والدربة، ثم التقدم المقتدر للأخذ بناصية كل هذه المتخلفات، قد دفع بي إلى خوض غمار مجاهلها، هدفي الوحيد من كل ذلك هو الاستمرار في تسعير طاقة البحث والتنقيب وتقديم مادة شافية للنقاش والمسائلة، فإن أصبت فلي أجران، وإن لم أصب فلي أجر المحاولة. والله ولي التوفيق .

 

   

 تمهيــد المبحث الأول :

محطات في حياة بعض العلماء والأعلام من الشاوية عبر العصور

 

 

 1)في الحلقة الأولى من هذه الورقات، سأتناول بالتعريف والترجمة حياة وتراث مجموعة مختارة من علماء وأعلام الشاوية عبر العصور،وقد سبق التعريف ببعضهم في بعض الندوات الدراسية السابقة، لكن أعمالها لم تنشر على نطاق واسع، وأشير إلى أنني راعيت  في اختيارهم، وعددهم خمسة وعشرون، تغطية مختلف العهود السياسية التي توالت على حكم المغرب ،اثنان من العهد الموحدي، ومثلهما من العهد المريني، وواحد من العهد الوطاسي، وأربعة من العهد السعدي والباقون من العهود العلوية انطلاقا من القرن السابع عشر إلى منتصف القرن العشرين.

كما تناولت في هذه العينة المختارة أسماء أعلام من مختلف الفرق المكونة لقبائل  الشاوية، وإني أتطلع إلى اليوم الذي تسنح لي فيه الفرصة بإصدار عمل شامل وموسع أحاول بواسطته سد بعض الفراغ في هذا الباب، حيث أتوفر على جذا ذات بأسماء أكثر من ستين عالما وفقيها شاويا من مختلف العهود، وتتضمن في معظمها  إفادات غميسة عن مراحل حياتهم وبعض نتاجا تهم الفكرية والأدبية التي يستحق الكثير منها التحقيق والنشر.

         وهناك أيضا مجال آخر يتطلب مزيدا من تضافر الجهود التوثيقية  قصد تحيينه وتطارحه على مشرحة البحث العلمي ـ سأخصص له الحلقة الثانية من هذه الورقات ـ  ويتعلق الأمر بقطاع الأبحاث المونوغرافية حول المراكز التعليمية التي نشأت في ربوع هذا الإقليم، وكانت هذه من دون شك نقطة الانطلاق الأولى لهؤلاء الأعلام، وتشمل كل المساجد والمدارس العتيقة والزوايا القرآنية التي لا زال البعض منها قائما لحد الآن، رغم ما أصاب هياكلها ومهامها التربوية من تراجع وخفوت ، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، الزوايا (التاغية والبطاحية والحجاجية والمنيعية والمعروفية والفارسية..) ببلاد أمزاب في الشاوية العليا، ثم  زاويتي النواصر وسيدي المكي بأولاد أحريز والزاوية الغازية بمدينة (فضالة) المحمدية، وزاوية عين بلال ببني مسكين، وزوايا سطات وأولاد سعيد والمزامزة والمذاكرة التي يطول حصرها، فضلا عن زوايا ومدارس الدار البيضاء(أنفا) وأحوازها..

         وتؤكد كل القرائن على أن هذه المؤسسات قد تصدت من أعلى مستويات المسؤولية العلمية والدينية لعمليتي نشر العلم بالربوع الشاوية، وإذكاء الحماس الجهادي  بين أبنائها كلما تعرضت بلادهم لأي خطر أجنبي. وهي ازدواجية كانت تفرضها على شيوخها خصوصيات الموقع الأمامي المكشوف لبلاد الشاوية على الواجهة المحيطية، حيث كانت هذه على الدوام منفذ كل الأخطار والبلاوي التي استهدفت ضرب وحدة البلاد وطمس هويتها الحضارية من طرف جحافل الغزو الأجنبي المتلاحقة.

2) ما من شك، فإن رغبتنا في الوقوف على حجم ومعوقات الإشعاع الثقافي والفكري الذي شهدته هذه المنطقة طوال تاريخها المنظور، يستدعي منا قبل كل شيء تدوير النقاش حول الدوافع  والمرامي التي جعلت الكثيرين من المؤرخين القدامى والمحدثين على السواء يضربون كليا أو جزئيا عن ملاحقته والتوثيق له، وقد تطور هذا الإرث الملغوم حتى أصبح يشكل في الوقت الراهن إشكالية قائمة بذاتها، تتمركز في صميم قضايا البحث ولا تفارقها، ويمكن ملامسة آفاق هذا العمل وحوافزه من خلال الملاحظات التالية :

- إن أي تغييب للمبحث الثقافي والفكري في الاشتغال على ملفات الشاوية  بحجة ضآلة حجم هذا الإشعاع ، ا أو عدم تناوله بإسهاب من طرف أصحاب المصادر التقليدية، إنما يعد إخلالا بشروط الشمولية في العمل التاريخي والتوثيقي للمنطقة، وتقصيرا فادحا في برامج تطلعاتها الحضارية والتنموية في الحاضر والمستقبل .

          - إن ترسيم البحث في هذا الاتجاه، إنما يرمي بالدرجة الأولى إلى محاربة ذلك الانطباع القديم، والذي لازال قائما لحد الآن لدى بعض الأوساط الأكاديمية ببلادنا، ومفاده أن نصيب هذه المنطقة من شهادات ومظاهر التراكم والنضج الحضاريين، كان دائما ناقصا ودون المستوى المطلوب. كما يرمي بالدرجة الثانية إلى فضح (خطاب الإفك)، الذي تجدر في السياق العام لتاريخ منطقة (الشاوية: تامسنا)منذ إقدام كل من (ابن حوقل والبكري..) ومن نقل عنهما، على اختلاق مقولات لاتاريخية متجاوزة الآن،  أثبتت الدراسات المعاصرة بطلانها التام، (كالبدعة البورغواطية ) أو (التخريب الهلالي لحواضر تامسنا)

 ولا يسعنا إلا التساؤل حول ما إذا كان لهذه الأركان الشامخة داخل الجسم الثقافي والعلمي بالبلاد آنذاك أسباب قاهرة حتمت تخلفهم عن ملاحقة وتوثيق أحداث إقليم الشاوية(تامسنا) بكل ما عرفوا به من تجرد وموضوعية، أم أن الأمر كان يتعلق بأهواء ومرامي ذاتية طالما هاجم دوافعها ونهاياتها شيخ المؤرخين العرب ابن جرير الطبري.

         أكثر من ذلك، فإن أعمال هذه الجماعة تحولت لدى عدد من المؤرخين من العهود الموالية إلى ما يشبه المطية المطواعة، تكالبت عليها ألوان من العمل الانتقائي  لتصيد أفدح لقطات الانكسار الاقتصادي والمهانة الاجتماعية لفئات العامة من أهالي المنطقة طوال العهود اللاحقة ، واستعملت من أجل  تجريم حركاتها الرافضة ضد السياسات المتطرفة لبعض السلاطين أو أعوانهم ضدها ألوانا متجاوزة من التكفير والتجريم، فتارة هم الأوباش والمارقون أو الأعراب أو(مساخيط) السلطان . وبدلت مجهودات موازية حاقدة ضمن مأمورية التطهير والانتقاء المنهجيين، من أجل تغييب أخبار وبواكير المادة الفكرية والثقافية من انشغالات أبناء الشاوية، وتشطيب ساحتهم الجغرافية من أي أثر عن مراكزهم الحضرية، وطمس ما ازدهر فيها من أنشطة وخبرات حضارية متميزة.

         3) لقد نجحت بالفعل العديد من هذه الممارسات إلى حد بعيد في إجهاض كل ما كانت تختزنه هذه المنطقة من أحداث وقضايا مليئة حتى النخاع بالطاقة الزمنية والمكانية التي كيفت تاريخها المتحرك على الدوام، كما تبدد معها كم هائل من التجارب والمواقف الحضارية التي تؤهلها لنحث مكانتها بين باقي الأقاليم.

         ونستحضر هنا مرارة الحسن الوزان وامتعاضه الشديد وهو يصف حالة التخريب الكبير الذي تخلف عن مرور الجحافل المرابطية والموحدية ببوادي وحواضر بلاد الشاوية(تامسنا) طوال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين،وهو الذي قدر عددها في "..أربعين مدينة وثلاثمائة قرية عامرة بأهلها.."، كما نستحضر إشارة ابن خلدون إلى إصرار المرينيين على إفراغ هذا الإقليم من ساكنته الأصلية وتحويله إلى مجرد خطة مخزنية ترعى فيها أغنام الخاصة من بني عبد الحق .ونختم بإشارة  الشيخ الإمام (محمد بن غازي المكناسي) المتوفى عام(919هجرية، الموافق 1513م)، وهو من أكبر العلماء في عهده، حينما أبى إلا أن يتخذ من قضايا الحياة اليومية للمواطن الشاوي في ذلك العهد، موضوعا لواحد من أهم تآليفه وهو " كليات ابن غازي"، حيث يقول في تصديره،"..وكان سبب جمعنا له، إقامتنا في بعض الأيام بطريق تامسنا لما توجهنا للقاء الشاوية حين طلبوا على ذلك في أوائل عام ثلاثة وتسعين وثمانمائة.."ويظهر مدى تقدير أهالي هذه البلاد للعلم والعلماء من خلال قيامهم بتحبيس  جزء من أراضيهم الفلاحية الجماعية على هذا الفقيه ولازالت تحمل إلى الآن اسمه (بلاد سيدي الغازي).

         ويظهر  من خلال هذه الشهادات ، أن كلا من الوزان وابن خلدون وابن غازي، كانوا يريدون إقامة محاكمة تاريخية لسياسات الإلغاء والتهميش التي تعرضت لها بلاد الشاوية من طرف  مختلف الدول السالفة، سواء في شخص أعلامها وطاقاتها الثـقافية والعلمية أو في حق تراثها الحضري و الحضاري المتميز، والمتوالد باستمرار رغم كل ما يعاكس طريقه من شوائب وعراقيل .

         وأود قبل الانتقال إلى ما نحن بصدده، الإشادة بالمجهودات التي بذلها في التعريف بعلماء الشاوية كل من الفقيه المرحوم سيدي محمد المنوني، والدكتور محمد مفتاح والأساتذة محمد زياد والمختار غازي وغيرهم، كما أشد بحرارة على أيدي كل الاخوة الذين يعملون بصـمت من أجمل إثمار البحث والتنقيب العلميين في تاريخ وتراث الشاوية.والله الموفق.

                                                                                   

 

1)الشيخ أبو زيد عبد الرحمان  بن محمد بن تميم المكولي .

توفي عام (623هجرية/1225م) ينتسب الشيخ أبو زيد إلى قرية (مكول) التي أمكن تحديد موقعها قرب عين (مكون) ما بين مدينتي الكارة وابن سليمان، وهي واحدة من  مراكز إقل يم( تـامسنا) التي تعود في نشأتها إلى العصر البورغواطي، وكان الحسن الوزان المتوفى حوالي عام (957 هجرية/1550م)، قد قدر عدد هذه المراكز بقوله"..نحو أربعين مدينة وثلاثمائة حصن(قرية) عامر يسكنها عدد من  قبائل  البربر.." كما وصفها الإدريسي (ت:557هجرية/ 1162م) بقوله "..قرية مكول كالحصن الكبير عامرة بالبربر ولها سوق نافقة لما يجلب إليها من جميع المتاجر والسلع التي يحتاج إليها الأهالي.." . وأورد صاحب (الاستقصا..) إشارة مفادها أن الخليفة يعقوب بن عبد الحق المريني خيم بها في إحدى حركاته مرورا ببلاد الشاوية لما داهمته الأمطار الغريزة والسيول. وذكرها ابن الخطيب  الذي وجدها مهجورة لما مر بها في إحدى جولاته داخل الشاوية.

ترجم للشيخ أبي زيد، صاحب (الذيل والتكملة..)، بقوله: "..دخل الأندلس وامتحن بها، وتوفي قتيلا في قرطبة على العهد الموحدي.." ، ويظهر أنه كان من  أقطاب الحركة المناهضة للمذهب الأصولي الموحدي التي اندلعت في أواخر عهد هذه الدولة، ترجم له كذلك صاحب (الإعلام ..)، كما ذكره صاحب (الموسوعة المغربية..).

2) الشيخ أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز البورغواطي.

توفي في رمضان عام (688هجرية/ 1289م)، ترجم له صاحب (درة الحجال..) بقوله: "..الشيخ الفقيه، العالم القدوة، الكبير العلم الشهير، نزيل أزمور وبها توفي..". ويظهر من نسبه أنه من بقايا مواطني الإمارة البورغواطية التي حكمت إقليم تامسنا في مطلع العصر الوسيط الإسلامي ، ونعلم كذلك أن مدينة أزمور التي سكنها كانت تدخل ضمن هذا الإقليم في العهدين الموحدي والمريني .

        

3)الشيخ سليمان بن عبد الرحمان بن أبي بكر البورغواطي:

عاش خلال القرن(8 الهجري 14م) وهو من شيوخ العلم المغمورين بالمغرب، ذكره العلامة المرحوم سيدي محمد المنوني من جملة فقهاء المدرسة المرينية بمدينة آنفا(الدار البيضاء) لهذا العهد بقوله: "..نضيف نخبة من أبناء قاعدة تامسنا وقد يساهمون في النشاط العلمي بمدينتهم ..ويأتي على رأس هؤلاء الشيخ سليمان بن عبد الرحمان البورغواطي..وكان رحل للحج ولقي الشيخ الضياء القسطلاني فسمع عليه الجامع الصحيح للبخاري كاملا، وجميع الشفا للقاضي عياض، وهو من أشياخ الراوية المغربي يحيى السراج الكبير الفاسي المتوفى عام(782هجرية/ 1380م)حيث نوه به في فهرسته.

4)الشيخ يحيى بن إبراهيم بن يحيى البورغواطي:

توفي عام(768هجرية/1366م) ذكر الدكتور محمد مفتاح في معرض حديثه عن مدينة آنفا خلال العصر الوسيط:".. أن ازدهار الحركة التجارية بها في العهد المريني جعل بعض أسرها يخالطون الأجانب فيعرفون لغتهم ويقومون بالترجمة ويكونون قوة اقتصادية، وكان يحيى بن إبراهيم البورغواطي من أبناء هذه الأسر.." وينسبه ابن الخطيب بقوله "..إنه من بيت عال يعرفون ببني الترجمان  أولي شهرة وضغط ومكان الحظوة  بباب سلطانهم.." وكان أحد أقطاب هذه الأسرة، ويدعى عبو، من ولاة مدينة آنفا، وهو الذي وصفه ابن الخطيب بقارون زمانه، ورثى أطلال قصره بقصيدة مطلعها:

قد مررنا بـدار عبو ااـوالي    +   وهي ثكلى تشكو صروف الليالي

كـان من قبل واليـا مستطيلا   +  فــهو اليوم ماله من والــي      

ونتساءل هنا كيف أمكن للعنصر البورغواطي أن يسترجع مكانته في العهد المريني بعدما كان المرابطون والموحدون قد محوا أثرهم على حد تعبير معظم مؤرخي العصر الوسيط، وهناك عدد من الأعلام البورغواطيين لهذا العهد الذين  تغاضينا عن الترجمة لهم بغية الاختصار، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الفقيه العدل أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن موسى البورغواطي، والفقيه الأديب أبي إسحاق إبراهيم بن مناذ البورغواطي . 

 ونود التنبيه هنا إلى أن النسب البورغواطي للشيخ ابن عبد العزيز هو والعالمان المترجم لهما تلوه  يطرح أمامنا إشكالية عويصة لا نجد لها تفسيرا، والحال أننا مطوقون في هذه المسألة بإشارات تاريخية مصدرية، تقدم نفسها في مقام مطلق الوثوق، مفادها أن "البورغواطية" كانت حسب ادعاءات مؤرخين وجغرافيين كبار، مثل ابن حوقل والبكري وابن عذاري،  ملة منحرفة عن  "الإسلام الصحيح"، وأن استئصالها استوجب إعلان  "الجهاد المقدس" من طرف علماء المذهبين الفقهيين المتبعين خلال العهدين المرابطي والموحدي، حيث  ارتكبت قواتهما في ظله مجازر هائلة ببلاد تامسنا . كما قيل وقتها أن شأفتها قد قطعت نهائيا، وكان الشتات من بقايا قبائلها قد لجأ إلى كتمان النسب والذوبان في القبائل الجديدة التي جلبت للمنطقة مخافة التعيير باليهودية والزندقة.

لكننا نجد أنفسنا هنا أمام ثلاثة علماء دين مسلمين، بلغوا أعلى مراتب التصوف والعلم، لا يتورعون عن إشهار هذا الانتساب المغضوب عليه، والحال أن "الهيعة" لم تنقض بعد حيث لا يفصلهم عن الحروب البورغواطية وما أثارته من انفصام سياسي وعقائدي بالمنطقة  إلا أقل من قرنين، ولم يكن لأحداث من هذا العيار أن تتبدد أصداءها بسهولة في مجتمع ديني محافظ  بل أن ابن عذاري الذي عاصر نشأة الدولة المرينية، وأحد مؤرخيها الرسميين كان معاصرا للشيخين البورغواطيين، (ابن عبد العزيز وسليمان ابن عبد الرحمان) ، فكلهم من أهل القرن السابع الهجري(13م)، و قد  أسهب في ترديد كل ما أتى به ابن حوقل والبكري حول "البدعة البورغواطية"، تماما كما لو كان دعاة بني عبد الحق يوظفون الجهاد تحت ضل هذه الراية  في الدعاية لحركتهم .

 

5) الشيخ أبو النجا سالم الرداني التلوغراسي الشاوي:

توفي عام(920 هجرية/1515م)، من أبرز العلماء الشاويين في العهد الوطاسي، ترجم له كل من العربي الفاسي في (مرآة المحاسن) والمهدي الفاسي في(ممتع الأسماع) والبشير الفاسي في (قبيلة بني زروال)، وذكره الدكتور محمد حجي في سلسلة تراجمه لعلماء المغرب خلال القرن العاشر الهجري بقوله: "..إن أهله من عرب الشاوية بناحية الدار البيضاء الحالية، وأنه هاجر في بداية حياته للدراسة بفاس وتخرج من المدرسة البوعنانية .." .أخذ عن الشيخ أبي يشو مالك بن خدة الصبيحي وغيره، ثم هاجر ثانية إلى قبيلة بني زروال لما انعدم الأمن بفاس إبان اشتداد الصراع الوطاسي السعدي، واستقر بقرية (تلوغراس) التي انتسب إليها شهرة وقرارا، ففتح بمسجدها صلاة الجمعة، وأسس به مدرسة تخرج على يديه منها علماء كبار أشهرهم الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الوارث  اليصلوتي الغماري (ت971 هجرية).

 

6) الكاتب الأديب محمد بن عمر بن بلقاسم الشاوي:

توفي في  مطلع القرن(11الهجري/17م) ، له تراجم مسهبة مذيلة بقصائده الشعرية في مختلف أغراضها، نجدها في كل من(مناهل الصفا.) لعبد العزيز الفشتالي، و(درة الحجال..)لابن القاضي، و(نزهة الحادي..) لليفرني و(الإعلام..) للمراكشي.. كان إلى جانب الفشتالي واحدا من كبار كتاب ديوان القلم الأعلى عند السلطان المنصور السعدي، وسبق أن لازمه مع أخيه المعتصم خلال محنتهما في الجزائر وتركيا لما طلبهما أخوهما عبد الله الغالب .

ومما يقال أن السلطان المنصور تنازل له عن الخراج السنوي لقبيلة كاملة هي مسفيوة، وذلك اعترافا له بالخدمات التي قدمها للدولة السعدية طوال حياته، وقد حدث أن فضلت لبيت المال منها في إحدى السنوات أعشار بخمسين قنطارا من الزيت، فطلب من السلطان شعرا التنازل له عنها فأذن له، ومما قاله:

أبحر الندى خير الملوك سجيــة      وأفضل سلطان رقى فوق منبـر.

أمولاي لاحظني بجــودك إنني       فقير نوال من لدنــك مــوفر.

فهذا زمان الزيت قد جـاء مقبلا       ولــي رغبة فيـه بغير تنكـر.

فمنها اشتعالي في الدجى وتطيبي       ودهن طعامي ثم منها تعـطري.

 

وله قصائد أخرى تدل على طبعه المرح في انتقاد أجهزة الدولة ومنها أبيات يهجو فيها عدول مراكش مما يؤكد توفره على قدر من التكوين والحجة في الفقه فضلا على مكانته العلية في المخزن وهو سلوك لا يسلكه إلا أقطاب النظام  :         

إن العدول الذي أتى الزمان بهم     عن العدالــة والتوثيق قد عدلوا.

أحداث ســن وأحلام كسنـهم     تالله لو شهدوا في الكلب ما قبلوا.

 

 7) الشيخ أبي جمعة سعيد بن مسعود الماغوسي الشاوي :

توفي عام (1016هجرية/1607م)، كانت ولادته بقرية (ماغوس) القريبة من مدينة الكارة الحالية، وتلقى بها أول علومه، وهو من كبار علماء المغرب في العهد السعدي، وصفه المقري بقوله:"..الشيخ الماهر، الإمام المتفنن حاز السبق في العلوم عقليها ونقليها.." ذكره الشيخ الإمام عبد القادر الفاسي في فهرسته بقوله:"..أخذ أشياخنا (..) عن جماعة من الشيوخ مشارقة ومغاربة ومنهم الشيخ الرحال أبي جمعة سعيد بن مسعود الماغوسي.." ترجم له من المشارقة الشيخ محمد ظافر الأزهري في (اليواقيـت الثمينة) ومن أهل الصحراء محمد بن أبي بكر الوتلي في(فتح الشكور في معرفة علماء التكرور)، استغرقت رحلاته إلى المشرق مدة طويلة عاد منها متبحرا، ثم استقر بمدينة مراكش في كنف السلطان أحمد المنصور السعدي إلى حين وفاته.

ترك الشيخ الماغوسي مجموعة كبيرة من التآليف أهمها (إتحاف ذوي الإرب بمقاصد لامية العرب)، وقد حازت كلها استحسانا لدى معاصريه شرقا وغربا.

 

(انتهى القسم الأول من هذه الدراسة ويليه القسم الثاني)



مقدمة كتاب: خروج السمايم نقايم..

07:53, 2008-May-13 .. التعليقات 0 .. رابط

مقدمة تمهيدية.

1/- الموضوع، المنطلقات والغايات؟

أ) تعتبر الأمثال والحكم الشعبية، لدى كل الأمم والشعوب، وخاصة منها الأمة العربية، مدخلا أدبيا بالغ الأهمية في منظومة ثقافتها التراثية. وتتوفر نصوصها، مقتضبة كانت أم مسهبة، على نصيب معتبر من السمات والأوصاف الدلالية، مما  يرقى بها  إلى أعلى مستويات التشكيل البياني في لغة التخاطب اليومي، وتحقق فيه ما يميز تناولاتها بصفات شمول الإحاطة ودقة المرمى وعمق النفاذ.

وما من شك، فالوعاء البياني - البلاغي المتألق للأمثال والحكم الشعبية قد يرفعها لوحده إلى أعلى درجات التمييز والتثمين ضمن الباقة التراثية لهذه الأمة، لكن وظيفتها الردفية، كأداة للتوثيق الشفهي لتجارب وخبرات الناس في كافة المجالات الحياتية، تزيدها ارتقاء وفضلا، وهي كما وصفها ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد (ج3/ص63) :

بأنها "وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحلي المعاني..تخيرتها العرب، وقدمتها العجم، ونطق بها في كل زمان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عم عمومها، حتى قيل: أسير من مثل.."

وقد حدد تقرير محاور ندوة الأمثال العامية بالمغرب[1] المنعقد بالرباط برعاية أكاديمية المملكة المغربية ، سمات وأوصاف المثل الشعبي في ثمان نقاط أساسية نوجزها كالتالي:

السمات الشكلية، من حيث طريقة نقل وكتابة نص المثل...

السمات التركيبية، من حيث انسجام المثل مع شروط تركيب الجملة...

السمات الوظيفية، المنسجمة مع استراتيجيات التوافق والتخاطب...

السمات الجمالية، المنسجمة مع التراكيب البلاغية من سجع وقافية وإيقاع...

السمات السوسيولسانية، المحددة لمستويات شيوع المثل في المجتمع...

السمات السيميائية، وتشمل خصوصيات المثل في اعتماد المجاز والرمز...

السمات السوسيوثقافية، من حيث الدقة في اختزال ظواهر الثقافة الاجتماعية.

السمات التاريخية، من حيث تيسيرها لفهم المدلول التاريخي لبعض الأحداث[2].

        يستعمل المثل في إطار وظائفه المجتمعية على أوسع نطاق، حيث تجعله حليته البلاغية، بكامل صورها من استعارة و تشبيهات أو مجاز ومقارنات،  متميزا عن غيره من الكلام اليومي الدارج الفاقد لكل صفات الإبداع اللغوي، مما يعطي لحمولته كامل قدسيتها، كما يعتبر وسيلة استغراق وتأمل، لما توفره للفرد سهولة حفظه وتذكره من طاقة ذهنية فائضة .

ونرى أنه من الواجب التمييز في دراسة هذا التراث الحكمي، ما بين عدد من الأغراض والميادين التي تستغرقه، فكل منها يغطي مجالا من مجالات الحياة الدنيوية، كما يتوفر كل غرض منها على موجاته الخاصة في التواصل والأداء، وطابعه المميز في التراكيب والاصطلاحات، ومراميه المبطنة في المضامين والدلالات، وهو ما يجعل من أمر تناولها بالدراسة العلمية الهادفة، مطلبا غير مستساغ من دون التأكيد على مسلك التخصيص والإفراد.

ويهمنا منها في بحثنا هذا، غرض مميز وبالغ الإثارة، ألا وهو غرض الأمثال والأقوال التي يروجها المغاربة فيما بينهم منذ أكثر من عشرة قرون، وتتمحور حول أشكال الانعكاسات المناخية والطقسية المتولدة عن التقلبات الجوية في أقاليمهم، وتأثير أنوائها في مجالات انشغالهم حسب الفصول السنوية.

وهي مرتبة في ذاكرة حفاظها والمتخصصين في استجلاء الجوانب التطبيقية لحمولتها، وفق توزيع وقتي خاص يستعمل التقويم الشمسي كإطار زمني، وضمنه التقسيم الفصلي الرباعي الخاص بالأقاليم المعتدلة، لكنه يعتمد المحطات النجومية المشكلة للدورة القمرية المواكبة لها، كإطار مكاني في الفلك، وهي ما يسمونه: المنازل القمرية. لذلك حق تمييزها عن باقي الأمثال في أغراض أخرى، ونقترح تسميتها ب: أمثال المنازل والأنواء .

وقد ورد ذكر هذه المنازل في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحسابات ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ وهو القائل أيضا: ﴿  والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون العظيم   صدق الله العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

بـ) يعود هذا التقويم الشمسي– القمري في جذوره إلى أصول عربية قديمة من فترة ما قبل الإسلام، ومن أولياته أنهم قسموا خلاله الدورة القمرية السنوية حول الشمس إلى 28 مسافة متساوية الأبعاد تقريباً، قوامها 13 درجة للواحدة، وهو الطول الفعلي لكل منزلة قمرية بعدد الأيام (أي 13يوما) وتستثنى منها واحدة تسمى (الجبهة) وقوامها 14 درجة، (أي 14 يوما) في السنة البسيطة و(15 يوما) في السنة الكبيسة.[3]

 

كما اختاروا 28 مجموعة أو تشكيلة نجومية، لتكون محطات تحديد المسار في نهاية كل مسافة منها، حيث يتنقل عبرها طوال أيام وليالي الشهر النجمي. وهي التي تشكل منازله. ويبدو أن عدد هذه المنازل محسوب على عدد هذه المحطات النجومية، أي ثمان وعشرين، تستغرق كل منها 13 يوما:

28 × 13   364 يوم + يوم واحد في منزلة الجبهة     365 يوما

 

تستغرق الدورة الظاهرية للقمر حول الأرض 3،27 يوما ليعود إلى منزلة النجمة التي كانت منطلقه،  ومن تم تسميته بالشهر القمري النجومي، période de révolution sidérale. إلا أن الطول الفعلي للدورة القمرية الاقترانية بالأرض هو29.53  يوما، Le mois synodique  ويسمى من هذا الباب بالشهر القمري الاقتراني  ويأتي ذلك من كون الأرض التي يدور حولها القمر تدور هي أيضا حول نفسها وحول الشمس فتقطع في نحو27   يوما ما يقارب 27 درجة. [4]

كما يتطلب القمر يومين إضافيين لاستكمال دورته الحقيقية حول الأرض، والفارق في المدة بين الشهرين القمري الاقتراني والقمري النجومي هو 2،2 يوما  يقضيها القمر في الاستتار. وقد اعتمد الشهر القمري الإقتراني كشهر تقويمي عربي، ويعرف بالشهر العربي أو الشهر الهلالي.[5]

أما عن عدد أيام كل فصل من فصول السنة الأربعة ففيها قولان كما جاء به العالم الفلكي المغربي الشهير الشيخ محمد بن سعيد المرغيثي في رجزه، وهو صاحب المصدر الأساس في تدقيقنا لهذه الأمثال والأراجيز.[6]

فالفصل في القولين (فيء) عددا         وربع يوم مطلقا قد وجـــدا

وزاده في الصيف بعض فأقــام     الشمس في الجبهة (يد) بالتزام

ويشرحه صاحب الهامش عليه وهو الشيخ محمد بن محمد الورزيزي بقوله:

(..ومعنى كلامه رحمه الله أن أيام السنة تنقسم على الفصول الأربع...ولكل فصل من أيام السنة نقط (فيء) فالفاء ثمانون والياء عشرة والهمزة واحد. بمجموعها أحد وتسعون يوما لكل فصل لكن تقسيم أيام السنة على الفصول بالسوية إنما هو على طريقة الفلاحين التي مشى عليها الناظم.)[7]

وفصل في سياق آخر القول الثاني المخالف له وهو للفلكيين ويسميهم الرصاد، وسنعود إلى تناوله مفصلا بالنسبة لكل فصل على حدة.

        وبدورها فقد أخذت أيام الأسبوع وساعات الليل والنهار باهتمام العرب فأعطوها ما تستحق من الأسماء والإشارات وذلك بالشكل الذي  يبين فضائل أو نقائص العمل خلالها، أو ما تتطلبه من استعداد لطوارئ تكتنفها أو مسرات تسعدها، ونورد بيانا عن ذلك في ملحقات الكتاب.[8]  

أما الأبراج أو البروج فهي تشكيلات نجمية أخرى، عرف العرب القدامى الكثير منها، وهي متناثرة على طول المسار الظاهري للشمس، ويسمى أيضا دائرة البروج أو فلك البروج أو فلك الشمس. وأعطوها أسماء صور لأشكال أو كائنات حية تماثلها في التشكيل. وقد كان العرب البابليون هم الذين اخترعوا علم الأبراج حيث تأسس على بدايات عربية مصرية ورافدية أخرى وعنهم أخذ الإغريق والرومان فيما بعد.

ورد ذكر البروج  في عدة آيات من القرآن الكريم  وهي:﴿ والسماء ذات البروج..﴾[9]    ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين.﴾          . و﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجا ﴾ [10]. صدق الله العظيم.

حدد عدد البروج ضمن دائرة الفلك  في اثنتي عشرة برجًا على عدد الشهور، كما توضع ذلك الأبيات التالية:

من البروج في السماء الحمل           تنزل فيه الشمس إذ تعتـــدل

والثور والجوزاء نعم المنزلة                   وسرطان أسد وسنبـــــلة

كذلك الميزان ثم العــقرب               والقوس  جدي دلو حوت يشرب

ويأتي واحد منها على رأس كل فصل يعرف به، وهذه البروج الأربعة هي: الحمل في مطلع الربيع والسرطان للصيف والميزان للخريف والجوزاء للشتاء.

وقد وجد الفلكيون روابط استدلالية بين المنازل والأبراج وأحوال الأرض، فمن خلالها يمكن تحديد مواعيد الزراعة وحصاد محاصيلها وغرس الأشجار وجني غلاتها، وكذا في تحديد مواسم الصيد البري للحيوانات وقنص الطيور المهاجرة، وصيد الأسماك في البحار والأنهار، ويمكن عبرها تحديد مواقيت المد والجزر، والتنبؤ بأوقات الكسوف للشمس والخسوف للقمر الذي تتفق فيه البروج الشمسية مع المنازل القمرية. فضلا عن تحديد مواسم فيضان الأنهار، وحساب طول السنة الشمسية والسنة القمرية، ومعرفة أحوال الجو والطقس، وأوقات هطول الأمطار.[11]

وبالنسبة إلينا في المغرب، فإن هذا التقويم الشمسي ـ القمري، قد أصبح منذ بداية انتشاره خلال العهدين الفينيقي والقرطاجي، قاعدة للقياس يعتمده الفلاحون في الوقوف بشكل دقيق على كوامن الدورات والآجال المناخية وتحديد ضوابطها الفلكية في كل تدخلاتهم الزراعية والرعوية.

 وهو الذي سهل على الأجيال المتلاحقة وضع ما يكفي من الأقوال والأمثال وفق محطاته ومنازله، سواء للتمييز ما بين تفاصيل ودقائق كل الأنواء الجوية الممكنة، من رياح وأمطار وثلوج ودرجات حرارة وغيرها، أو لتتبع تأثيراتها على البيئة والمجال وسائر الكائنات المحيطة بهم. أو لضبط اللوائح الزمنية التي تتم عبرها أنشطتهم الفلاحية والمكملة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ج) لا تختلف أمثال المنازل والأنواء عن الأمثال الرائجة حول الأغراض الأخرى في أي من الخصائص والمميزات اللغوية، نجد ذلك واضحا في التشكيل البلاغي القائم على السجع، وكذا في الصياغة المركبة من دون أي تعقيد. ولا تقل إحداها عن الأخرى أو تزيد سواء في حرارة الانسياب الفني الرائق، أو في الدلالة الجمالية الفائقة.

وفي منطقة الشاوية العليا، أو(العلوة) التي جمعنا منها معظم مادة هذا البحث، يطلق المزابيون من ساكنتها إسم (الحكايمي) أو(مول الكلام) على حافظ الأمثال والحكم في عموميتها. كما يطلقون على حافظ أمثال الأنواء والمنازل وشارحها للناس، اسم (مول القصبة)، ويعود ذلك لاستعماله، عند رغبته استخبار المتغيرات الطقسية المرتقبة، لقصبة طويلة يعلق في طرفها الأعلى قطعة صغيرة من الصوف تترك في العراء طوال الليل، ويزداد الإقبال على خدماته بكثافة خلال المنزلة الخريفية الأولى، وتسمى الصرف كما سيأتي تفصيله.

ويدعي هؤلاء قدرتهم على التنبؤ بكل المتغيرات الطقسية والأحوال المناخية في منطقتهم على المديين القصير أو الطويل فقط من خلال جس قطعة الصوف المذكورة في كل صبح مباشرة مع طلوع نجمة الفجر، وتلمس مدى رطوبتها وانعكاس ذلك على ملمسها ولونها ورائحتها.

وكان (موالين القصبة) سالفا يتمتعون بمهابة وتقدير كبيرين تتجاوز مكانة كل من  (مول الكتف)، الذي يستبصر أحداثا مستقبلية عن أحوال للقبيلة من عظمة كتف الغنم اليمنى، أو(الحجام)، أو(الدزاز)، أو(الحداد)، أو(العشاب).. بل هي في نفس مكانة فقيه الدوار(الطالب) أو الشريف أو المجذوب. ولا عجب فمعظم الشيوخ (موالين القصبة) الذين جمعنا مادتنا على لسانهم في (بلاد العلوة)، يحفظون أرجوزات طويلة ومتعددة في علم الأنواء هذا، ويستحضرونها بسهولة ويسر حفظا وتفهيما.[12]

ويتبين من جهة أولى أن الغربلة اللفظية لهذه الأمثال والأقوال، قد تواصلت على مدى عدة أجيال وحقب متلاحقة لم يتوقف الناس خلالها أبدا عن التدخل لتشذيب بعض التراكيب غير المستساغة في متنها، أو لإضافة فكرة أو تقليصها أو لإدراج لقطة أو صورة أو بيان لتصل إلى هذا المستوى البلاغي الذي هي عليه الآن، ويؤهلها ذلك بالدرجة الأولى لكي تصبح مكونا من مكونات الثقافة العالمية وكنزا مشتركا من كنوزها الخالدة.

كما تفصح من جهة ثانية عن انتماء التركيبة الذهنية للمجموعات البشرية التي ترادفت على صياغتها، إلى مراحل مشرقة في تاريخنا الاجتماعي، حينما كان أفراد الجماعة خلالها، لا يحيدون بكل ما فيهم من طاقة جمالية وانغماس وجداني، عن المشاركة والحضور الفعليين في صنع مادة وفصول الحياة، والانتشاء في تخليد تلك اللحظات عبر إبداعات لغوية، بيانية وحكمية متميزة، والتعامل مع الطبيعة في كل تجلياتها، وكل ذلك ضمن أعلى مقاييس التوازن والاعتدال.

وقد تولدت لدينا إثر إطلاعنا ووقوفنا على تناولات هذا الصنف من الأمثال، درجات عالية من اليقين حول عمق مضمراتها وتنوع مراميها، وتأكدنا أنها تمكن الباحث المدقق، في الخبرات والتجارب التي تلخصها من استجلاء صور وحقائق بالغة الدقة حول مجالات عيش السكان وحركاتهم في البيئات القروية والحضرية للمجتمع التي تضلها، كما تسمح بتحديد نظمهم الإنتاجية وإكراهات أنماط تحولهم، وخاصة منها الإكراهات المناخية والبيئية. وكذا في تتبع أساليب ترويج ثرواتهم وتواصلهم في شأنها بل وفي استنباط تفاصيل تأثيرها على محددات تساكنهم وخطط عمرانهم وعرى اجتماعهم.

 ونعتقد كذلك أنه بالنظر إلى تنوع المعرفة والخبرات والتجارب التي تقدمها، فقد أصبح من الضروري تعميق البحث في المرتكزات السوسيو- ثقافية التي كانت تصنع لدى أسلافنا في العهود الغابرة كل ذلك الإصرار وكل تلك الطاقات والمبررات سواء لتثمين رصيدها الكمي أو مواصلة تشذيبها اللغوي أو توسيع تناولاتها ومضامينها، أو تنميق تراكيبها وجماليتها.

وهي على كل حال، رصيد ضخم في موضوعه ومادة ثمينة تمكن جمهور الباحثين من تفعيل جدواها التربوي ونحث مقولات ومباحث تواكب مستلزمات التقعيد النظري، الاجتماعي والأدبي، لما صار يسمى في الوقت الحاضر: بالثقافة المناخية والوعي البيئي.

        ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

        د) نورد هنا للاستئناس قولا مأثورا محوريا بالنسبة لمعظم أمثال المنازل والأنواء التي سنوردها في متن البحث موزعة على المنازل القمرية السنوية، وقد أطلقنا عليه اسم: ساروت المنازل، وهو الذي اخترناه عنوانا لهذا الكتاب. (ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى وجود قفل المنازل، الذي سنعود لتناوله في متم الفصل الرابع). ويلخص الساورت المذكور، كافة الأحوال الجوية والبيئية، بكامل مخلفاتهما على المجالات الحياتية والمعيشية للفلاحين أو أهل الحضر على السواء وهم يستقبلون الشهور والفصول والبروج الشمسية والمنازل القمرية التي تتكون منها السنة وهو:

خروج السمايم نقايم، و خروج الليالي نعايم ،.

      يتبين من وحي المعاني والإشارات المستخلصة من هذا القول حول نقم الطبيعة وغضبها، أو استواء أحوالها وحلول نعمها، مدى قسوة ظروف الحياة التي عاشها أسلافنا من الفئات المستضعفة في البيئات الفقيرة، حضرية كانت أم ريفية خلال الأزمنة الغابرة. وانطلاقا من الصور المستحضرة عن هذه العهود القاسية، يمكن الوقوف على ملامح السياق الطبيعي ـ البيئي الذي تبلورت فيه هذه المأثورات، ومن تم إبراز مقومات السياق الاقتصادي ـ الاجتماعي الذي كيف وعي الناس بضروبه ومستلزماته.

         وما من شك، فقد كان الناس البسطاء خلال تلك العهود العصيبة، وخاصة أهل البوادي، يتعرضون لقسوة هذه الأحوال الجوية من دون أن تتوفر لديهم وسائل وترتيبات لاتقاء شرورها ومضارها المعبر عنها (بالنقايم).

وفي نفس الوقت ، تراكم في حيز العادات والتقاليد الجماعية لدى الأجيال السالفة رصيد هائل من مشاعر الطلاقة والعفوية، والإيثار والتآزر الاجتماعيين، وصارت هي التي تكيف درجات إدراكهم وتعايشهم مع مخلفات الظواهر الجوية المتطرفة، كما تصبغ طبقات الذاكرة والمخيلة الشعبيين بألوان ذات كثافة عالية من التفاؤل أو التشاؤم تبعا للأحوال المناخية السائدة.

من هذا الباب يمكن القول ، أن الناس في العهود السالفة كان لهم مزاج مناخي صرف، يستمر تشكيله وتلونه عبر الفصول، ومن هنا جاءت عفويتهم في توليف وتناقل أقوال وعبارات صادقة ودقيقة عن الأحوال الجوية والبيئية المحيطة بهم، كما ترسخت لديهم عادة ترميز مخلفاتها بالشكل الذي يسهل على الأجيال اللاحقة تطبيق إجراءات الوقاية من مضارها، والاستفادة من محاسنها.

        وعلى خلاف ذلك، فإن الظروف المعيشية للأجيال الشابة الحالية من حفدة تلك (السكة القديمة)، التي عاشت بامتياز حياة متدفقة عبروا عنها بلفظ: (أيام العسل في الكـلخ )، قد أصبحت من زاوية الإقبال الشديد على تبني القيم المادية والاستهلاكية للحياة العصرية، أكثر استدعاء لأدوات التكييف التي تسمح بضبط درجات التسخين أو التبريد، أي بخلق طقس خاص لكل فرد في بيته أو مكتبه، وقتما شاء واشتهى.

         من البديهي أن استشراء عقلية الاختزال والعزل بسبب الارتهان الكلي للبيئات المصطنعة، إنما يزيد من حالات الخرس الذهني والوجداني أمام تجليات الطبيعة وتدفق أعراضها، لدرجة تناقصت معها حاجة الفرد المدجج بكل أسلحة التكييف الممكنة، إلى رفعها نحو مستوى الحافز على الإبداع الفني والأدبي أن شعرا أو نثرا.

         وقد يأتي وقت قريب تنعدم فيه القدرة أو الجدوى لاستحضار هذا النوع من التراث العضوي بحجة أنه ضرب من ضروب الثقافة البدائية في التعامل مع الطبيعة، مما سيحكم عليه بالفناء والتلاشي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هـ) لابد من التذكير هنا بأن مواضيع الثقافة المناخية بفرعيها البيئي والمجالي، قد أصبحت ابتداء من الربع الأخير من القرن 20، تناولات علمية صرفة، وأفرزت مباحث وقضايا  صارت محط اهتمامات أعلى الدوائر العلمية والبحثية في الدول العظمى، ولا يجهل أحد المدى الذي ذهبت إليه هذه البلدان في تتبعها ودراستها لمخاطر التطرفات المناخية الكارثية التي تتهدد الأرض في المستقبل القريب، لا قدر الله ، ومنها ظواهر: التسونامي والنينيو والنينيا وتكرار العواصف المدارية بقوة غير مسبوقة، مرورا بتسخين الأرض وخرق طبقة الأوزون وتراجع الغطاءات الجليدية القطبية...

أكثر من ذلك، فإن مادة هذا التعاطي، وما يصدر عن الدوائر العليا المهتمة به من تقارير وخبرات حول المتغيرات الجوية الفصلية والسنوية وما يواكبها من انعكاسات بيئية ومجالية، قد أصبحت  انشغالا يكاد يكون ملفوفا بالسرية والمقاربات الأمنية والعسكرية، ولا تنزل محصلة الاشتغال عليها عن خطاب التكنولوجيات الفضائية والرقمية.

ونجدها في الجوانب المسموح بورودها، قد أصبحت محددا أساسيا من محددات ثقافة الأنشطة الاجتماعية التربوية في معظم المؤسسات التعليمية بالدول المتقدمة أو النامية على السواء، إذا لم تكن عصب اهتماماتها وقلب انشغالاتها، ولا تفوتنا الإشارة كذلك إلى ضخامة الموارد المالية المخصصة للاستثمار في التناولات السينمائية والوثائقية لهذه الشؤون.

 وهناك من جمعيات المجتمع المدني من صارت لها مواقع حيوية في صياغة السياسات العامة لدولها وتحريك مساحة شاسعة من الرأي العام بها، وكل هذا يأتي فقط من كون اهتمامها ينصب على المراقبة والتصنت على كل ما من شأنه أن يهدد صحة البيئة،  ويتفنن في قياس مدى انضباط مستلزمات الحياة اليومية في بلدانها مع التوازنات المجالية.

باسم الله الرحمان الرحيم

           

تقديم:

يزخر المشهد الثقافي الأندلسي والمغربي بالوافر من الكتابات الممتعة التي تهم المنازل والأنواء والفلاحة، وتمتاز برصانتها العلمية ووجاهتها المعرفية لما تتضمنه من دقائق وأسرار ومباحث مستفيضة وحقائق كونية عجيبة لا يدركها إلا العارفون من ذوي البصائر النافذة والحنكة والمراس في مجال المعرفة.

 ويأتي في طليعة ذلك كتاب( إبداء الملاحة وإنهاء الرجاحة في أصول الفلاحة) لسعيد بن جعفر بن ليون التجيبي (ت.750 هـ) وكتاب (زهر البستان ونزهة الأذهان) لمحمد بن مالك الطغنري الإشبيلي (ت. بعد 480هـ) و(كتاب الفلاحة) لأبي الخير الشجار الأندلسي، و(كتاب الغلاحة الأندلسية) ليحيى بن العواه الإشبيلي(ت. 580هـ) و(كتاب الفلاحة) لمحمد بن إبراهيم بن بصال الطليطلي. و(كتاب الفلاحة) لأحمد بن محمد بن حجاج، و(الممتع في شرح المقنع) للفلكي الحيسوبي محمد بن سعيد السوسي المرغيثي، وكل هذه الكتابات الثمينة تحتاج إلى دراسة وتحقيق وتنقير.

         وجدير بالذكر أن المغاربة – في ثقافتهم الشعبية- ضربوا بسهم وافر في معرفة العلاقة الجدلية والوظيفية القائمة بين الفلك وفصول السنة والغراسة والفلاحة، ولا أدل على ذلك  من معرفة الأوساط الإجتماعية لخصائص المنازل الفلكية وأبراجها على مستوى المناخ والنباتات والإنسان ..

         وقد جاءت أمثالهم المأثورة وأقوالهم السائرة مبلورة لمعرفتهم العميقة بهذه الخصائص ذات المنحى البيئي الخلاق، وإن كتب الأمثال المغربية لتطفح بالتوثيق الدقيق لهذا الضرب المدهش واللون الثري من الثقافة المغربية الشفوية الذي يعكس القطاع الواعي لذاتنا القومية، وهو ما أبدع الأستاذ غازي في جمعه وترتيبه وشرحه.

ولا ننسى في هذا المجال، أن علمائنا تنبهوا إلى قيمة هذه الأمثال من الناحية الجمالية والدلالية والفنية والموضوعاتية فوثقوا لها بصفة عامة وقد ذكر صاحب هذا التأليف في مقدمته عددا منهم ، ونضيف لهذه اللائحة كلا من الأستاذ محمد العرائشي في أمثال مكناس، والأستاذ عيسى العربي في أمثال قبيلة آيت أعتاب...

ومن بين الأعمال الجادة التي ازدان بها جيد المكتبة المغربية وابتهج بها المحفل الثقافي الوطني، وأضافت جديدا إلى معارفنا الشعبية هذا الإنتاج الثري الذي عنونه مؤلفه الأستاذ محمد غازي المزابي الشاوي، بواحد من أهم الأمثال الدالة على التجارب الفلاحية والبيئية المغربية :

خروج السمايم نقايم..وخروج الليالي نعايم

ويشكل الكتاب في جلية الأمر موسوعة فريدة من نوعها تنطوي على فوائد نادرة وجواهر غالية فيما يتعلق بالجانب الفلاحي والوعي البيئي لمنطقة الشاوية عموما وبلاد أمزاب على وجه التخصيص كما عكستها الحكم واأمثال السائرة مما لا غنى عنه لأي دارس أو باحث في تراثنا الوطني.

ويعتبر المؤلف المثابر، محمد غازي واحدا من رجالات الشاوية الغارقين  بكل تواضع وتفان في البحث والتنقيب العلميين، الذين يسعون بموصول مواظبتهم إلى خدمة وطنهم بطريقة علمية تتوخى الإخلاص في العمل بحسن النية وسلامة الطوية، بإجراء آلية التوثيق، ووضع المونوغرافيات وإنجاز الدراسات التحليلية، والسعي الحثيت إلى القيام بأبحاث ميدانية تهم مناحي فسيحة وأرجاء عريضة في منطقة الشاوية جغرافية وبيئةوتاريخا ومجتمعا، فتوصل إلى نتائج مذهلة قمينة بالتقدير مما يجعله في مصاف الباحثين في التاريخ الجهوي، الذين في جعبتهم الوافر من المعلومات الغميسة والإفادات الوجيهة حول منطقتهم، وفي حوزتهم العدد الهائل من الوثائق الأسرية والظهائر السلطانية، والمراسلات المخزنية، والرسوم العدلية، والكنانيش العائلية، حيث أمضى أزيد من خمسة وعشرين سنة سلخها من عمره في هذا المجال.

تعرفت على مؤرخ أمزاب والشاوية، الأستاذ محمد غازي بمدينة رباط الفتح سنة 1990، وهو يومها يدرس بثانوية النهضة العريقة في تاريخ الوطنية، بمدينة سلا، وذلك عن طريق صديقنا الأفخم، الدكتور أحمد إيشرخان، محقق المخطوط الشهير ( الدر المنتخب المستحسن ..) لمؤرخ الدولة العلوية أحمد إبن الحاج..)، وكان يشاركنا وقتها مقارعة خطوب البحث والتحقيق والتنقيب في عالم المخطوطات والوثائق الأساتذة الحسين الفرقان والعربي أعجولو وحسن المعروفي ومحمد القصباجي والأستاذ التادلي المحامي الجليل بمدينة إبن أحمد.. فوجدت فيه الرجل الفاضل والمثقف النحرير، والبحاثة المحقق، آية في الجود والكرم، وحسن الشيم، شديد الإعتزاز بأصوله البدوية، والغيرة على تراث وطنه ومقومات هوية بلاده، ويرنو بكامل ثقله إلى المحافظة على الطابع الأصيل لحضارتنا باستجلاء ذخائرها، وفهم إسرارها ومخبوئها. مستفيدا في ذلك من توجيهات أستاذه ونبراس حياته العلمية، العلامة الدراكة المفضال الأجل، المرحوم بكرم الله عز وجل الفقيه سيدي محمد المنوني، الذي لم يأل جهدا في تشجيعه عل معانقة البحث في تاريخ هذه القبيلة والتفاني فيه..

لذلك، ومنذ لقائي الأول بهذا الأستاذ، كنت أراه دائب البحث في تاريخ ووثائق الشاوية وورديغة أو ما كان يسمى سابقا بإقليم تامسنا. وما يندرج ضمنها من قبائل ( وخاصة أمزاب الأعشاش التي ينحدر منها). فيكثر التردد على الخزائن العامة والخاصة ، ينهل من ذخائرها ويطلع على نفائسها، وخاصة الخزانة الحسنية والخزانة العامة والخزانة الصبيحية..وقد تربى منذ نعومة أظافره في وسط بحثي جل أفراده من الموثقين والعلماء والعدول حيث عانق منذ حداتثه  محتويات خزانة أجداده الخاصة المسماة عندهم بالخزانة الحجاجية، وهي تزخر بوثائق قبائل أمزاب ومخطوطات زاوية جد جده للأب الفقيه الجليل سيدي محمد بلعربي الحجاجي الشهير في الفلك والقراءات ..

وكان الأستاذ محمد غازي قد بادر – قبل انتقاله إلى مدينة الرباط سنة 1990-  إلى دعم المشروع الثقافي لهذه الجهة العريقة في أمجادها التالدة والمفاخر السنية بتأسيس ( جمعية تامسنا للأبحات والدراسات حول الشاوية ورديغة) ثم أردفها حينما انتقل للعمل بمدينة الدار البيضاء سنة 2004م بتأسيس (المركز المغربي للأبحاث والدراسات حول الدار البيضاء والشاوية). وهما مؤسستان بحثيتان سمحتا له بتحضير عدد هام من الأعمال للطبع والنشرفي مجالات التوثيق والدراسة.

وفي كتابه هذا، اجتهد الأستاذ في الكشف المثير عن تلكم العلاقة الوطيدة التي تجمع بين المعطيات الفلكية وبين المعطيات البيئية وانعكاسهما بشكل وظيفي على الإنسان والحيوان والنبات والتربةوالمناخ والطقس. كما يفتح البحث على واجهات ثقافية شديدة التعقد والتظافر تخص علم الفلك والتنجيم والهيئة والفلاحة ، وما ينتج عن ذلك من أنشطة اقتصادية ودينامية اجتماعية وتجارب لغوية تعبر بصدق وعفوية عن رؤية الإنسان المغربي لمحيطه البيئي..

ولا شك أن تعدد المعارف التي يتطلبها هذا المبحث الشهير بشدة تعقده وتضارب جداوله وحساباته، يشكل حجرة عثرة في طريق المؤلف لإنتاج خطابه، ومع هذا، فإن قدرته الهائلة على الجمع مابين الوجهين العلمي والأدبي لمسائله، والمزج ما بين ماهو فلكي وبيئي،  بل التوصل السريع إلى اإيجاد أوجه العلاقة ما بين الجوانب الإقتصادية والإجتماعية للمثل والحكمة السائرة، كانت كلها بالنسبة إليه حوافز صارمة لمواصلة الكتابة بثقة عالية في النفس وإصرار على استكمال عمله، وقد تطلب منه أكثر من أربع سنوات لجمع مادته وتنويع مصادرها وتأصيل تلوناتها..

ولا يخفى على أحد، فإن النشاط الفلاحي متواشج مع التأثير الفلكي وتبدل أحوال المناخ حسب حركات الشمس والقمر ودوران الأرض، وتعاقب الفصول والمنازل والبروج. والمؤلف يسعى إلى استكناه هذا التأثير من خلال الوعي به لدى الشرائح الإجتماعية ببلاد الشاوية وأمزاب، انطلاقا من الأمثال الشعبية التي تجسد وثيقة شفوية جوهرية تدل على عمق المعرفة بهذا الجانب ذي الأبعاد الإقتصادية والإجتماعية والنفسية.

لقد بدل المؤلف قصارى جهده وحشد كل طاقته في الاستقصاء والمقاربة والبحث، وعالج موضوعه بطرق علمية أكاديمية تقوم على الدقة والموضوعية، وتحتكم إلى التعليل والاستنباط والمقارنة، واتسمت كتابته بالموسوعية لأنها تنفتح على معارف تاريخية وجغرافية وفلكية وبيئية وسوسيولوجية وانتربولوجية صاغها بأسلوب جزل، ولغة عربية رصينة، وهو سليل عدد من  جهابذة اللغة في منطقته.

وقد استقى مادته من المصادر والمراجع المطبوعة والمخطوطة، واعتمد على كنانيش وتقاييد الأسرة. كما نبه إلى الأهمية التي يكتسيها كتاب (الممتع في شرح المقنع..) للشيخ محمد بن سعيد المرغيثي السوسي في هذا المجال، فرد إليه اعتباره وعمل على إحيائه وبعثه من جديد.

وجسد التراث الشفوي إطاره الأساس، ومثلت المعاينة والمعايشة للوقائع محكا أساسيا اعتمده المصنف في بناء نسق فهمه لسلوكات وخطابات الفلاحين بهذه الجهة، وعلى ضوئها استطاع تفسير وتأويل أمثالهم الشعبية في كل أبعادها المعرفية وما تتضمنه من خبرات وعبر.

وقد مهد لعمله بمقدمة عالج فيها دواعي الكتابة، وقيمة البحث، والمصادر المعتمدة، والمنهج الذي سلكه في عمله، وقسم عمله إلى أربعة أقسام، كل قسم يهم فصلا من فصول السنة الأربعة. ويتناول في كل فصل نقطا فرعية تعالج منازله وبروجه وتأثير ذلك على الإنسان والبيئة والمناخ والفلاحة. فجاء الكتاب فريدا من نوعه، متميزا في تناوله، لأنه عالج موضوعا مغمورا ونفيسا قل من انتبه إليه، وأعطى قيمة مضافة لما أنجز حول الشاوية ومدينة الدار البيضاء وناحيتها من دراسات، ولهذا السبب فهو في بابه جد ثمين، ولدارس الحياة الريفية خير مرشد ومعين، وحاز فيه مؤلفه قصب السبق والتمكين.

                                      عبد الإله لغزاوي

                                      



معلوماتي

صفحة البدايه
معلوماتي
الإدراجات السابقة
قائمة الاصدقاء
البوم صورك الخاصه

روابط


اقسام المدونه


احدث الادراجات

ورقات في التاريخ الثقافي والعلمي ببلاد الشاوية بالمغرب عبر العصور (القسم الثاني)
ورقات في التاريخ الثقافي والعلمي ببلاد الشاوية بالمغرب عبر العصور (القسم الأول)
مقدمة كتاب: خروج السمايم نقايم..
تقديم الدكتور عبد الإله لغزاوي لكتاب: خروج السمايم نقايم..وخروج الليالي نعايم... لمؤلفه الأستاذ محمد غازي

قائمة الاصدقاء